IUVM

الاتفاق الباطل بين تركيا و أمريكا يفتقد للثقة

لم يعد التحالف الثنائي بين تركيا وأمريكا مستمراً في صورته الراهنة، و إن اتسم بصفة العلنية، بشأن ما يسمى “المنطقة الآمنة” في الشمال السوري ،حيث أن تضارب المصالح الخفية بين الطرفين، بات يشكل اختلافاً جذرياً يسعى كل منهما لإقصاء الآخر.
فالجيش التركي بدأ بالتوغل شرقي الفرات بعمق 30-35 كلم، فيما يقول الجانب الأميركي: “يكفيكم 15 كلم” وكأن إبعاد المسلحين الكرد جنوباً سينهي المشكلة التي يسميها الأتراك خطر الاٍرهاب .
ومن دون أن يخطرعلى بال أحد أن المساومة الأميركية – التركية، وبالتالي الاتفاق المحتمل على المنطقة الآمنة سوف يكون على حساب الدولة السورية، وسبب مشكلتها في المنطقة هم الكرد وكما كانوا في عفرين ليثبتوا بذلك عدم وفائهم لدمشق!
لم يجاف السيد بشار الجعفري مندوب سوريا الدائم في الأمم المتحدة الحقيقة في توصيفه للاتفاق التركي الأمريكي على إقامة منطقة آمنة في شمال تركيا عندما قال “التركي والأمريكي يتفاوضان وكأن جزءاً من سوريا هو ملك لهما، وهما يملكان حق التفاوض لتقرير مصيره”.
الاتفاق جاء بعد تهديدات الرئيس رجب أردوغان بشن هجوم عسكري على مناطق شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها قوات “قسد” ذات الأغلبية الكردية، لإقامة منطقة آمنة تحت الحماية التركية بعمق 30كم، وعودة اللاجئين السوريين لديارهم، ولكن التهديد الأمريكي الذي ورد على لسان وزير الدفاع “مارك إسبر” بالتصدي لهذا الهجوم دفع الرئيس أردوغان إلى التراجع عن هذا الموقف الأحادي والتفاوض مع الأمريكان للتوصل إلى هذا الاتفاق.
الحكومة السورية سارعت برفضها لهذا الاتفاق، وقال بيان شديد اللهجة صدر عن وزارة الخارجية السورية إنه يشكل اعتداء فاضحا على سيادة الأراضي السورية ووحدتها، وانتهاكا سافراً للقانون الدولي.
تُعزى أهمية هذه المنطقة التي سيتم اقتطاعها، كونها تضم الاحتياطات النفطية والغازية السورية، وأكثر الأراضي خصوبة في البلاد، والمخزون الاستراتيجي للقمح والمواد الغذائية الأخرى.
من ريف الرقة الشمالي و على طول الشريط الحدودي بين بلدتي السلوك وتل أبيض، بدأت الدوريات المشتركة التركية-الأمريكية تحركها في تطبيق أولى خطواتها بما يعرف “بالمنطقة الآمنة”، شرقي الفرات، لكن الخطوة لا توحي بوجود اتفاق تام بين الطرفين، فالهوة ما تزال واسعة أو غير واضحة إن صح القول، مع التزام واشنطن الصمت أو التعليق، و اقتصار الحديث عن تسيير دوريات من دون أن تتعداها للمنطقة الآمنة كما تقرر أنقرة.
أنقرة استبقت عملية عسكرية معقدة و غير مضمونة النتائج بتكثيف حشودها العسكرية من منبج حتى المالكية، فيهي بذلك تسعى لاحتلال الشريط الحدودي بالكامل بعمق 30 كم و طول 450كم “كما قال أردوغان”.
“مظلوم عبدي” القائد العام لـ “قسد”، أكد أن قواته تثق بواشنطن، و لولا الخطاب التركي المستفز لآلت الأمور لميدانها الصحيح.
الطموحات التركية قد يقطعها رفض الكرد لوجود أي جندي تركي في مناطق سيطرتهم و التلويح بتصعيد ضد تركيا، حال تجاوزها ال 5 كم.
اللجوء السوري الذي فاض عن ثلاثة ملايين و نصف المليون نسمة على الأراضي التركية، بات يشكل عبئاً على حكومة الرئيس أردوغان، وتهديداً لاستمرارها في السلطة، والتهديد بموجات هجرة جديدة إلى أوروبا تنطلق من الشواطئ التركية.
إدارة تركيا لهذه المنطقة بعد التواجد عسكريا فيها تجسد حالة احتلال علني، حتى لو كانت أمريكا شريكا فيها، لكن، يخطئ أردوغان إذا اعتقد أن إقامة المنطقة الامنة، وبالتنسيق مع أمريكا سيمر بسهولة، ويخطئ أكثر إذا اعتقد أن الجانب السوري لا يملك خيارات التصدي لها، وربما يفيد التذكير بأن كل رهاناته على إسقاط الحكومة السورية ثبت خطأها وأنها تقوم على حسابات سياسية وعسكرية غير دقيقة، فهناك الحليف الروسي، وهناك ورقة مدينة إدلب، والتدخل في الشأن التركي، وقد يكون الهجوم لاستعادة هذه المحافظة أحد الخيارات في هذا الصدد، كرد أولي على إقامة المنطقة الآمنة، مما يخلق أزمات عديدة لتركيا.
أنقرة تراهن على توسيع سيطرتها لاستئصال الفصائل الكردية بذريعة “منطقة آمنة” تعيد إليها 35 ألف لاجئ، و المعطيات تشير إلى أن التوافق التركي-الأمريكي ما يزال هشاً و يفتقد للثقة مع تهديد أنقرة المتكرر بشن هجمات على شمال و شرق سوريا، إذا لم يتم تنفيذ الاتفاق.

Facebook Comments
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *