IUVM

تشابُك المسارات والمصالح في الصراع السوري

بقلم أمجد إسماعيل الآغا:

ضمن المساحات الرمادية في السياسة التي تتّخذ من منطق المصالح المشتركة منهجاً لممارستها، تنطلق روسيا وإيران وتركيا في تعامُلاتها مع الأزمة السورية، خاصة مع ازدياد التوجّهات الرامية إلى إنهاء الحرب في سوريا، ليس انطلاقاً أو توجّهاً من مبدأ الحرص على الدولة السورية، وإنما درءاً لتداعيات ونتائج استمرار الصراع في سوريا وعليها، في المقابل، يبدو واضحاً أن التوجّهات الدولية والإقليمية حيال المشهد السوري، ترمي في جزئيّاتها إلى إعادة التموضع الرامي لحجز مكاسب سياسية، ستحقّقها بلا ريب نتائج الحرب على سوريا، لذلك نرى السياسة الأميركية تُسارع إلى الالتفاف على جُملة الهزائم التي مُنيت بها سياسياً في سوريا، وتحاول جاهدة أن تكون إحدى أضلع الحلول المُرتقبة، وفرض نفسها ضمن مُعطى سياسي ولكن بقالب عسكري، يُراد منه تعميق الخلافات بين الدول الضامِنة، وزيادة في تعقيد المشهد السوري، بينما تبقى احتمالات تضارب المصالح بين روسيا وإيران وتركيا قائمة على مبدأين، الأول الرمادية السياسية، والثاني المناورة الأميركية في التعاطي مع الأطراف الفاعلة في الشأن السوري وتحديداً الحليف الأطلسي تركيا، وتوظيفها بما يخدم الأهداف الأميركية، والواضح أن واشنطن تستقرئ جيّداً هواجس تركيا المتعلّقة بالشرق السوري، لكن ضمن هذه الجزئية، هناك استيعاب روسي إيراني للمخاوف التركية، وهذا يعكس الحكمة الروسية والإيرانية في التعاطي مع المستجدات السياسية، والمتوافق حُكماً مع التوجّهات السورية الرامية إلى إقفال ملفيّ شرق الفرات وإدلب، وتبريد البؤر الساخنة، تمهيداً لبلورة حل سياسي.

على طرفي نقيض، تقوم تركيا بجُملةٍ من الإجراءات التي تبتعد سياسياً عن التوجّهات الإيرانية والروسية في سوريا، وهذا يأتي ضمن آفاق السياسة التركية التي لا تزال تبحث عن مخرجٍ من سوريا لكن ضمن مُعطيات الأمر الواقع، الذي يفرض عليها إبقاء صورتها كضامن وكقوّة سياسية إقليمية ودولية لها تأثير فاعِل، في المقابل تقوم تركيا وإيران بالتركيز على المنطقة التي ستُخليها واشنطن والتي تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وعليه فإن هناك وحدة في الأهداف مع تناقض في المصالح، حيث أن إيران وتركيا تسعيان إلى إخراج الأميركي من سوريا وهذا هدف مشترك، فتركيا ترى في الخروج الأميركي رفع الغطاء عن الكرد وهذه فرصة تاريخية للقضاء على مَن يهدّد الأمن القومي لتركيا، وكذلك إيران ترى الكرد بأنهم وكلاء أميركا يتم استخدامهم لتعطيل الحل السياسي، وإلحاق الضرر بالمُكتسبات التي تم تحقيقها سورياً، ولقد صرّح قياديان إيرانيان مؤخراً على أهمية تخليص مناطق شرق الفرات من التأثير الأميركي، وهذا يجعل من إيران حليفاً طبيعياً لتركياً، والتي تسعى أيضاً إلى تحقيق هذا الهدف والذي هو أيضاً المصدر الأساسي لاستمرار حال التوتّر في العلاقات الأميركية – التركية، لكن الخلاف الإيراني – التركي يأتي ضمن تداعيات هذا الانسحاب، فبينما ترى تركيا أنها فرصة للتمدّد في الجغرافية السورية تحت ذريعة مُحاربة الكرد، ترى إيران ضرورة انسحاب القوات التركية بالتزامُن مع انسحاب القوات الأميركية، بُغية الشروع الفعلي والعملياتي بالحل السياسي، وللحفاظ على ما تمّ تحقيقه خلال السنوات السابقة.

روسيا التي اختارت وفق منظورها الاستراتيجي، التعامل مع إيران وتركيا من خلال رؤية سياسية تكون في مواجهة الرؤية الأميركية، فروسيا عملت ضمن ناحيتين، الأولى عملية أستانة الثلاثية ذات الأبعاد الدبلوماسية، للإشراف على سلسلة من عمليات وقف إطلاق النار، وما يُطلق عليه مناطق خفض التصعيد، والثانية في عملية السلام المُجامِلة التي عُقِدت مؤخراً في سوتشي، بهدف إطلاق المفاوضات سريعاً لإنهاء الحرب وصوغ الدستور، ورغم ذلك، بقي مؤتمر سوتشي مُشبعاً بالتناقضات والتعقيدات الثلاثية، هذا الأمر تطلّب تنازلاً روسياً لكن بجُملة من الشروط التي ستكون تحت سقف السيادة السورية واحترامها والحفاظ على سلامة الجغرافية السورية، فقد عملت روسيا ومن خلال آليتيّ أستانة وسوتشي على سياسة جَذْب تركيا، واحتواء هواجسها، ريثما يتمّ تفسير الوضع القائم في إدلب والذي يمتدُ حُكماً إلى شرق الفرات، وما بينهم من تداعيات فرضتها واشنطن إبان قرار الانسحاب وما تبعه من إبقاء عدد من الجنود الأميركيين في سوريا.

ضمن هذه المُعطيات، هناك العديد من المُفارقات التي تفرض نفسها كتأثير يأتي في سياق الحل السياسي في سوريا، لكن وعبر الاستراتيجية الروسية والإيرانية، وبالاستفادة من التناقضات الأميركية واللعب على المُتغيّرات السياسية، تستمر روسيا وإيران بتعميق التقارُب مع تركيا، وهنا يحضر قوياً تصريح جون بولتون حين قال: “إن الولايات المتحدة لن تغادر سوريا إلا إذا ما فعلت إيران ذلك أولاً”، فهذا يعني أن الولايات المتحدة ستُبقي دعمها للكرد قائماً وهذا ما يُناقض التوجّهات التركية من جهة، ومن جهة أخرى يعني أن تركيا لا يمكنها التفكير بالاعتماد على الدعم الأميركي للتخلّص من الكرد ودفعهم بعيداً عن تلك المنطقة، وبين هاتين الجهتين هناك أهداف روسية وإيرانية تعمل على التناقُضات الأميركية، والاستمرار بجذب تركيا عبر حبال دبلوماسية، تلتف في النهاية على أحلام أردوغان وتطوّقها، وتمنعه أيضاً من البحث مُجدّداً عن هواء أميركي يقود السفينة التركية إلى شواطئ الأحلام العثمانية.

ضمن سلسلة التناقضات والتعقيدات ورمادية السياسة، يبدو واضحاً أن تركيا لن تغيّر مسارها وتُبحر بعيداً عن شواطئ إيران وروسيا، حيث أن آفاق التعاون بين روسيا وإيران وتركيا في شمال شرقي سوريا، تبقى الأكثر إشراقاً وتوافقاً مع التطلّعات السورية، حيث لا أسباب موجبة تكون مَدعاة للمجابهة والصراع بين محور سوريا وتركيا، وتبقى هذه التطلّعات رهناً بحدوث تغيير جوهري عكسي في السياسة الترامبية تجاه تركيا، وهو أمر غير مرجَّح الحدوث بناءً على تطلّعات ترامب وحماقاته السياسية، ومن دون هذا تبقى التطوّرات تسير وفق سلاسة روسية وإيرانية وهواء سوري.

Facebook Comments
الوسوم

مقالات ذات صلة