IUVM

شكراً غزَّة وإلى اللقاء

عندما كان الإسرائيليون يحتفلون بإعلان التطبيع مع بعض الأنظمة العربية بل ويشاركونها العدوان على كل من اليمن وسوريا، وفي وقت العمل الإسرائيلي السعودي الحثيث لتشكيل تحالف عسكري في وجه المقاومة بما فيها المقاومة الفلسطينية، كان للمقاومين في غزَّة رأي آخر وقرار آخر وبالتالي واقع آخر.

لم تتوضّح حتى الآن الدوافع الإسرائيلية أو دوافع الفريق الذي أمر بتنفيذ العملية الأمنية الفاشلة داخل مدينة غزَّة، والتي أدّت إلى ردٍ غير متوقّع من المقاومة، ولكن كان من الواضح أن قرار تنفيذ هذه العملية قد تم اتخاذه مسبقاً وبموافقة رئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتنياهو” على أن يتم تحديد الوقت لاحقاً، وهنا استغلّ وزير الحرب “أفيغدور ليبرمان” وجود “نتنياهو” خارج البلاد ليتّخذ قرار التنفيذ مُتجاهلاً رغبة “نتنياهو” بالتأجيل، لأن تركيز الأخير كان على تسارُع التطبيع مع دول الخليج، وإن عملية أمنية كهذه سوف تجعل التطبيع أكثر تعقيداً. ولهذا قطع “نتنياهو” زيارته الخارجية وعاد إلى إسرائيل لتحييد “ليبرمان” عن قيادة المعركة التي بدأت تذهب في غير صالحهم، وهنا كان لا بدّ من اللجوء للرئيس المصري الحاضر دائماً عند وقوع إسرائيل في مثل هذه المآزق.

ولو حاولنا البحث عن عوامل هذا الانتصار الفلسطيني السريع لوجدنا أن العامل الأهم هو قرار الفصائل الفلسطينية خوض هذه المعركة بتنسيقٍ كامل، وإدارتها على أنها حرب فلسطينية شاملة وليست حرباً حركية يخوضها كل فصيل حسب ظروفه وإمكانياته وقناعاته، وظهر ذلك جليّاً في التزام هذه الفصائل بغرفة عمليات موحّدة، ولذلك كنا نرى غزارة رشقات الصواريخ التي أثبتت فشل القبّة الحديدية، ما أوقع الإسرائيليين في خوفٍ وإرباكٍ كبيرين وهم يرون أن قبّتهم الحديدية هذه لا تستطيع التصدّي لأكثر من ربع الصواريخ الفلسطينية.

العامل الثاني هو أن الفلسطينيين أداروا كل مفاصل المعركة بشكلٍ جيدٍ ومنسّقٍ، إعلامياً ونفسياً وكذلك عسكرياً، من خلال التدرّج في إظهار المُفاجآت التسليحية والتكتيكية، وقد لاحظنا رعب القادة الإسرائيليين وإصرارهم على عدم بثّ مقاطع الفيديو الفلسطينية وخاصة “عملية العَلم” وعملية استهداف الحافلة الإسرائيلية، ولهذا تم تدمير محطة الأقصى التلفزيونية بشكلٍ كامل.

العامل الثالث هو المُفاجأة في قوّة السلاح الفلسطيني والذي تم الكشف عنه تباعاً مثل صواريخ “الكورنيت” أو الصواريخ الثقيلة بعيدة المدى، وبطبيعة الحال عندما يكشف طرف من الأطراف ما لديه من جديد في الأيام الأولى من المعركة، فهذا يعني أن لديه الأهم والذي سيتم استخدامه حسب سير الأحداث.

أما نتائج هذه المعركة فقد بدأت بالظهور بأسرع مما كان متوّقعاً وأهمها استقالة وزير الحرب الإسرائيلي، وهذا ما ستترتّب عليه تبعات قد تصل إلى حل الحكومة والذهاب إلى انتخابات مبكرة، إضافة إلى فقدان الإسرائيليين ثقتهم بقوّتهم العسكرية، وقد ظهر هذا واضحاً بتصريحات كبار الساسة بأن زمن الردع الإسرائيلي للفلسطينيين قد انتهى، وبالتأكيد ستترتب نتائج أكبر ولو بعد مدّة، وخاصة على صعيد إعلان التطبيع الخليجي الإسرائيلي.

وهنا لا بدّ من الإضاءة على أمر في غاية الأهمية وهو أن القرار الفلسطيني الأقوى والمُرشّح للانتصار هو قرار المقاومة الذي أتى بقيادة حمساوية منسجمة مع أركان محور المقاومة، بعد مرحلة حرف هذا القرار من قِبَل زعامات عملت لغير الصالح الفلسطيني، من خلال طعنها لسوريا التي تُعتبر العامل الأساسي في نجاح كل عمل مقاوم، وبالتأكيد لم يكن تصريح “يحيى السنوار” قائد حركة حماس في غزَّة والذي قال فيه مخاطباً دول التطبيع “أنتم تفتحون الأبواب للإسرائيليين ونحن سنفتح عليهم النار” إلا إعلاناً لعودة حركة حماس إلى الطريق القويم.

وأخيراً لا بدّ من القول بأن هذه المواجهة أكّدت أن فلسطين كانت ولا تزال هي البوصلة، وهي معيار كل عمل قومي، وأن التمسّك بهذه البوصلة أو تركها هو قرار وليس سوء تقدير أو سوء فهم، وأن فلسطين هي المقياس بين مَن أراد انتصار القضايا العربية وبين مَن تآمر ولا يزال يتآمر على العرب وعلى قضاياهم العادلة.

نوشته شكراً غزَّة وإلى اللقاء اولین بار در IUVMPRESS. پدیدار شد.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة