IUVM

“الخليج اونلاين”: “القدس عاصمة إسرائيل”.. أصل الحكاية وتبعاتها..

ترامب “المتهوّر” قرّر أخيراً إعلان القدس عاصمة لـ”إسرائيل”، ليقضي بذلك على أحلام ملايين الفلسطينيين الذي يتمسّكون بالمدينة المقدسة عاصمة لدولتهم التي يأملون بإقامتها على حدود 1967.

وفي 6 ديسمبر 2017، أعلن ترامب قراره “الخطير” وأمر بنقل سفارة بلاده من “تل أبيب” إلى المدينة المحتلة، في خطوة أثارت موجة كبيرة من الإدانات على مختلف الصعد، لا سيما من الدول العربية والإسلامية.

واليوم في 14 مايو 2018، نفّذ ترامب وعده في حفل شهدته المدينة المحتلة، شارك فيه ممثلون أوفدهم الرئيس الأمريكي، وسط مقاطعة لـ54 سفيراً أجنبياً من 86 آخرين رفضت بلاد بعضهم خطوة واشنطن.

وثمة علامات استفهام كثيرة توضع على ما ستؤول إليه خطوة ترامب، وتأثيرها في الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، والقدس المحتلة خصوصاً، بعد تنفيذ القانون الذي تأجل نحو 20 عاماً.

بداية الحكاية

منذ أكثر من 20 عاماً، كان الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون مطالبين كل ستة أشهر بتقرير إن كانوا سينقلون سفارة بلادهم من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وكانوا جميعاً يحتمون بالتأجيل المستمرّ.

عام 1980 ضمّت إسرائيل الجانب الشرقي من القدس بعد احتلالها بالكامل سنة 1967، لكن المجتمع الدولي لم يعترف بإعلان سلطات الاحتلال المدينة المقدّسة عاصمة لهم. وظل الموقف الدولي يعترف بهذا الجزء فلسطينياً.

الولايات المتحدة الأمريكية كانت إحدى الدول التي لم تعترف بالخطوة الإسرائيلية، وأبقت قنصليتها بمدينة القدس، في حين قرّرت دول كثيرة نقل ممثّلياتها في غرب القدس إلى تل أبيب.

سنة 1990، نصّ قرار للكونغرس الأمريكي على نقل السفارة الأمريكية من “تل أبيب” إلى القدس المحتلة، وبعدها بخمس سنوات صدر قانون نقل السفارة الأمريكية، الذي تنكّر لتاريخ القدس والسيادة الفلسطينية العربية الإسلامية.

القانون تضمّن 3 بنود؛ الأول أن تبقى القدس موحدة غير مجزأة، والثاني يعترف بالقدس الموحدة عاصمة لـ “إسرائيل، أما البند الثالث فيلزم الإدارة الأمريكية بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في أي وقت مناسب يحين.

لكن هذا القانون لم يُنفّذ على الرغم من أن الرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن، وقّع في سبتمبر 2002 قانوناً أقره مجلس الشيوخ الأمريكي ينص على أن “القدس الموحّدة” عاصمة للاحتلال الإسرائيلي.

أما حقبة الرئيس السابق، باراك أوباما (2009 – 2017)، فشهدت تفادياً لتطبيق القرار خوفاً من تفجير حالة من الغضب لدى الفلسطينيين، إذ أرجأ أوباما أكثر من مرة قرار نقل السفارة، بموجب قانون سنة 1995، الذي كان يجيز تأجيل العملية مدة ستة أشهر.

ما لا تعرفه عن “قانون نقل السفارة”

صدر القانون سنة 1995، في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلينتون (1993-2001)، وقضى بنقل سفارة الولايات المتحدة من “تل أبيب” إلى القدس المحتلة بحلول العام 1999، أو عندما يحين الوقت المناسب.

وأقرّ القانون إمكانية تأجيل هذه الخطوة ستة أشهر كل مرة، بناءً على طلب مسبق يقدمه الرئيس الأمريكي للكونغرس، بداعي حماية مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة.

ويعتبر زعيم الأغلبية الجمهورية فى مجلس الشيوخ، بوب دويل، عرّاب القانون، وهو قائد جهود تمرير القانون فى الكونغرس، كما أنه كان أول من تقدّم بمشروع قانون بشأن نقل السفارة.

ويأتي دعم الولايات المتحدة للقانون في إطار أنه “يصبّ في مصلحة أمريكا التي تُفضّل رؤية عملية السلام (بين الفلسطينيين والإسرائيليين) أكثر استقراراً قبل مواجهة قضية القدس”.

خُدع بعض الساسة الفلسطينيين بالقانون، واعتبروه متعلّقاً بالسياسات الداخلية الأمريكية ويخدم مساعي البعض لحشد دعم المحافظين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

لماذا لم يُطبّق؟ ولماذا الآن؟

صدور القانون أعقب توقيع اتفاقية “أوسلو” للسلام بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، والتي تمت برعاية أمريكية.

أمريكا الراعية للاتفاق أرادت المحافظة على الأجواء شبه الهادئة التي خلّفتها “أوسلو” عقب أحداث الاشتباك وانتفاضة الأقصى الأولى سنة 1987، وكانت تعلم أن تنفيذ القانون ينسف كل جهودها التي تصبّ في مصلحة إسرائيل أولاً.

كما أن اتفاق “أوسلو” كان ينصّ في مضمونه على الالتزام بعدم المساس بوضع مدينة القدس، وتأجيل بحثها إلى ما يسمّى بمفاوضات الحل النهائي، التي اصطدمت بواقع جديد عقب انطلاق انتفاضة الأقصى الثانية سنة 2000.

الأوضاع الساخنة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية تصاعدت بين 2000 و2007، إذ انتهت ولاية كلينتون وبدأت فترة حكم بوش الابن، الذي وقّع قانون “القدس الموحدة” سنة 2002، وأقره مجلس الشيوخ الأمريكي.

هذا القانون أثار الغضب والاستنكار الشديدين في جميع العواصم العربية والإسلامية في حينه، وقد اعتبرته الدول العربية خطيراً، وقالت إنه يهدّد الاستقرار في المنطقة، فضلاً عن أنه دليل على الانحياز الأمريكي لدعم الاحتلال الاستيطاني اليهودي في القدس وفلسطين.

وانشغل جورج بوش الابن بالحرب على العراق، في حين استمرّت الهبّة الجماهيرية في الأرض الفلسطينية وجهود عملية السلام التي انجرّت إليها السلطة دون تحقيق شيء لمصلحة القضيّة، إلى أن جاء أوباما إلى الحكم.

في محطة أوباما حاولت واشنطن تفادي تطبيق القرار قدر المستطاع؛ خوفاً من تفجير حالة من الغضب لدى الفلسطينيين وانعكاس ذلك بالطبع على دولة الاحتلال.

وقد أجّل الرئيس الديمقراطي نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة أكثر من مرة، رغم الضغط الكبير الذي كان يؤدّيه “اللوبي الصهيوني” على الإدارة الأمريكية.

الضربة الحاسمة كانت عبر ترامب؛ الذي وعد خلال حملته الانتخابية بتنفيذ القرار الأمريكي، إلى أن أعلن أخيراً أنه “آن الأوان لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل”.

ويرى محللون أن ترامب الذي تسلّم إدارة البيت الأبيض في يناير 2017، يحاول كسب دعم المحافظين من خلال هذا القرار، وأن يحقق لنفسه مجداً شخصياً، معربين عن تخوّفهم من أن تضرّ الخطوة بمصالح واشنطن في الشرق الأوسط.

وقد تكون هذه الأسباب ساعدت ترامب على الوفاء بوعده، إلى جانب ما آلت إليه الظروف السياسية في الشرق الأوسط عقب موجة الربيع العربي، إضافة إلى أنه كسب دعماً وتأييداً من دول عربية ثقيلة ووازنة، ساعدته في تنفيذ قراره.

أماكن نقل السفارة

العديد من التقارير الإعلامية الإسرائيلية رصدت المواقع التي من الممكن نقل السفارة الأمريكية إليها من تل أبيب، بعدما قال ترامب إنه سيوجه الجهات المعنيّة في البيت الأبيض بمباشرة إجراءات نقلها.

والمواقع التي كانت مقترحة هي شارع “جيرشون آجرون”، أو شارع “ديفيد فلوسر”، أو “المركز الأمريكي” في القدس وهو مركز تعليمي ثقافي، وربما تُنقل إلى “البيت الأمريكي” الذي يضمّ المركز الثقافي للقنصلية الأمريكية، أو إلى منطقة “تالبيوت”.

وكانت أمريكا قد وقعت مع “إسرائيل”، في 19 يناير 1982، وتحديداً في اليوم الأخير لولاية الرئيس الأمريكي الأسبق، رونالد ريغان، وثيقة خطيرة تتناول وضع القدس العربية المحتلة.

وسمّيت هذه الوثيقة بـ “اتفاق إيجار وشراء الأرض”، إذ حصلت الحكومة الأمريكية بموجبها على قطعة أرض من أملاك الوقف الإسلامي والأملاك الفلسطينية الخاصة في منطقة غرب القدس المحتلة عام 1948 لبناء السفارة الأمريكية عليه.

غير أن الإدارة الأمريكية قرّرت نقل السفارة إلى ضاحية أرنونا المتاخمة لحي المندوب السامي في القدس، حيث موقع قنصليتها العامة، وستعمل بشكل مؤقت من مقرّ القنصلية إلى حين الانتهاء من تجهيز مبنى كبير مجاور ليكون مقراً رئيساً.

ماذا يعني أن تصبح القدس عاصمة لإسرائيل

أن تصبح القدس عاصمة لإسرائيل يعني أنها أصبحت بشقّيها الشرقي والغربي تحت إمرة الاحتلال والسيادة الإسرائيلية الكاملة على المدينة، ما يفرض سياسة أمر واقع على خيار المفاوضات المتوقّفة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

وتسعى الإدارة الأمريكية حالياً إلى إحياء المفاوضات، التي توقّفت منذ أبريل 2014، بعد رفض إسرائيل وقف الاستيطان، والإفراج عن معتقلين قدامى داخل السجون، والقبول بحل الدولتين على أساس حدود 1967.

ويترتّب على قرار ترامب أيضاً أنه يعطي الحق لإسرائيل في السيطرة والتوسّع وبناء “عاصمتها” بالشكل التي تريده، متجاهلة كل القرارات الدولية المتعلّقة بالحفاظ على الموروث الثقافي الإسلامي والمسيحي.

أضف إلى ذلك أن ترامب نسف كل الحقوق المطالبة بحرية زيارة الفلسطينيين والعرب للأماكن المقدسة في المدينة؛ بحجّة الحفاظ على أمن “العاصمة”، والتي تمثّل أمن واستقرار “الدولة الإسرائيلية”.

كذلك فإن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل يعني رفع الوصايات الدولية والعربية والإسلامية عن المدينة المقدسة، وهو ما يسعى إليه الاحتلال، ما يمكّنه من بناء قواعد عسكرية هناك تسمح بدخول الجيش رسمياً متى شاء.

واقتصادياً، فإن خطوة ترامب “المتهوّرة” تعني ارتفاع معدلات البطالة والفقر في أوساط الفلسطينيين داخل المدينة المقدسة، التي يعاني سكّانها أوضاعاً أمنيّة ومضايقات من قبل الاحتلال، إضافة إلى ازدياد أعمال التهجير والإبعاد عن القدس.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة